الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

55

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الخطاب الصالحة لجميع السامعين ، فلما تهيأت للانتقال إلى ذكر الضراء وقع الانتقال من ضمائر الخطاب إلى ضمير الغيبة لتلوين الأسلوب بما يخلصه إلى الإفضاء إلى ما يخص المشركين فقال : وَجَرَيْنَ بِهِمْ على طريقة الالتفات ، أي وجرين بكم . وهكذا أجريت الضمائر جامعة للفريقين إلى أن قال : فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فإن هذا ليس من شيم المؤمنين فتمحض ضمير الغيبة هذا للمشركين ، فقد أخرج من الخبر من عدا الذين يبغون في الأرض بغير الحق تعويلا على القرينة لأن الذين يبغون في الأرض بغير الحق لا يشمل المسلمين . وهذا ضرب من الالتفات لم ينبه عليه أهل المعاني وهو كالتخصيص بطريق الرمز . وقد عدت هذه الآية من أمثلة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في ضمائر الغيبة كلها تبعا « للكشاف » بناء على جعل ضمائر الخطاب للمشركين وجعل ضمائر الغيبة لهم أيضا ، وما نحوته أنا أليق . وابتدئ الإتيان بضمير الغيبة من آخر ذكر النعمة عند قوله : وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ للتصريح بأن النعمة شملتهم ، وللإشارة إلى أن مجيء العاصفة فجأة في حال الفرح مراد منه ابتلاؤهم وتخويفهم . فهو تمهيد لقوله : وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ . والسير في البر معروف للعرب . وكذلك السير في البحر . كانوا يركبون البحر إلى اليمن وإلى بلاد الحبشة . وكانت لقريش رحلة الشتاء إلى اليمن وقد يركبون البحر لذلك . وقد وصف طرفة بن العبد السفن وسيرها ، وذكرها عمرو بن كلثوم في معلقته ، والنابغة في داليته . وقرأ الجمهور يُسَيِّرُكُمْ - بتحتية في أوله مضمومة فسين مهملة بعدها تحتية بعدها راء - من السير ، أي يجعلكم تسيرون . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ينشركم بتحتية مفتوحة في أوله بعدها نون ثم شين معجمة ثم راء - من النّشر ، وهو التفريق على نحو قوله تعالى : إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [ الروم : 20 ] وقوله : فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [ الجمعة : 10 ] . قال ابن عطية عن عوف بن أبي جميلة وأبي الزغل : كانوا ( أي أهل الكوفة ) يقرءون ينشركم فنظروا في مصحف عثمان بن عفان فوجدوها يُسَيِّرُكُمْ ( أي بتحتية فسين مهملة فتحتية ) فأوّل من كتبها كذلك الحجاج بن يوسف ، أي أمر بكتبها في مصاحب أهل الكوفة .